لا جدال فى أن الثورة المصرية من أكثر الحوادث تفردا فى تاريخ البشرية . ولاشك فى أن العبقرية المصرية قد تجلـَّــت فيها بحمد الله فى الكثير من المظاهر .
وكما أبدع شباب مصر فى أول حرب الكترونية حقيقية هي حرب أكتوبر 1973 التى انتصر فيها المصريون مستخدمين التقنيات الحديثة فى ذلك الوقت ، فقد أبدع شباب جيلنا فى إدارة وإشعال شرارة أكبر ثورة شعبية تقنية فى التاريخ الإنساني .
نجح شباب الفيسبوك فى التجميع والحشد فى العالم الافتراضى هربا من القمع والاستبداد و قانون طوارئ العالم الواقعي، وفى اللحظة المناسبة بعد ثورة تونس العظيمة ، نقلوا المعركة إلى أرض الواقع ، واشتعلت شوارع مصر بالملايين من أبنائها المطالبين بحريتها و استرداد كرامتها ، وانتزاع مصرهم من النظام المباركي الغاشم ، فحققوا لمصرهم وأمتهم و دينهم الأمجاد .... وللفيسبوك كذلك ! .
بمجرد تنحى المخلوع عن حكم مصر فى 11 فبراير 2011 ، هرع المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى تسلم إدارة شئون البلاد إلى التواصل مع الشباب الفيسبوكي العظيم والغريب ! والذى نجح فى غفلة من الزمن أن يختطف مصر من مستنقع التخلف والجمود ، ويفتح أمامها طريق الأمل بعد طول يأس ...... ومن أجل فاعلية التواصل مع شباب الثورة أنشأ المجلس العسكري صفحة له على الفيسبوك فى سابقة تاريخية كبري ! . رابط الصفحة : الصفحة الرسمية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة .
وبلغ عدد المعجبين بهذه الصفحة حتى لحظة إعداد هذا المقال ما يقارب المليون .
وقد صدَّر المجلس العسكري نشاطه الفيسبوكي على الصفحة بهذا البيان الرائع المعنون بـ : رسالة إلى الشعب المصري العظيم ، والذى حرص من صمـَّــمـَّـه ( تقريبا سلاح الفوتوشوب فى الجيش ! ) على إضفائه طابعا وطنيا مستمدا من علم مصر ، فالخط الأبيض يكتب بحبر من نهار مصر القادم على الخلفية السوداء الممثلة للفساد والاستبداد القائم فى مصر من جرَّاء العهد البائد ، و يعتلى النسر المصري قمة البيان ، وكتبت تحته البسملة بمداد أحمر من دماء الشهداء البواسل الذى سطـَّــروا مجد مصر فى كراسة الزمان بثورتهم العظيمة .
وقد استقبل هذا العمل الفيسبوكي لجيشنا العظيم بحفاوة بالغة من معاشر الجماهير الفيسبوكية التى انهالت على هذا البوست لايكاً و كومنتاً !
وتتابعت البيانات الفيسبوكية ، ولم يفـُــت الجيش أن يحذر الفيسبوكيين من انتحال صفته على الفيسبوك وإلا ... ، جيش برضه يا جماعة ! حتى شوفوا لون البيان يرعب إزاي ! :
وعكست التعليقات على بيانات الجيش الحالة بين الناس و الجيش ، ففى البداية كان كيل المديح بالأطنان للجيش هو السمة الغالبة خاصة فى الأيام الأولى بعد تنحى مبارك والفرحة العارمة بذلك و قيام الجيش بحل البرلمان المزوًّر .
إلا أن الإبقاء على حكومة شفيق التى عينها المخلوع ، أحدث توترا بين الجيش والشعب ، خاصة مع فض الجيش بالقوة لاعتصام لمجموعة من الشباب فى ميدان التحرير يطالبون بسقوط حكومة شفيق ، وكاد هذا أن يسبب قطيعة بين الشعب وجيشه ، لولا أن تدارك الجيش الموقف ولجأ إلى الفيس بوك وأصدر بيان " رصيدنا لديكم يسمح " المشهور .
وقد قوبل البيان بإعجاب الكثيرين ، لأنه لأول مرة تعتذر السلطة الحاكمة لشعبها فى مصر عن تصرف ما ارتكبته . إلا أن البعض تخوف من أن يستهلك الجيش رصيده المتبقى ، وأن يضطر مثل الشرطة لاستخدام خدمة " سلفنى شكرا " !
المهم والغريب والفريد ، أنه مع تواصل بيانات الجيش على الفيسبوك ، أصبحت وسائل الإعلام تذكر محتواها نقلا عن صفحة الفيسبوك الخاصة بالمجلس العسكري ! ، وهذه سابقة تقنية ليس لها مثيل فى العالم .
ووصل هذا التفرد إلى الذروة عندما استيقظ شباب مصر الفيسبوكيين فى يوم الخميس 3 مارس - صبيحة المناظرة التاريخية بين الكاتب علاء الأسواني و رئيس الوزراء شفيق ، والتى تحولت إلى معركة كلامية عنيفة - على بيان فيسبوكي رقم 26 للمجلس العسكري يعلن فيه قبول استقالة شفيق و تكليف الدكتور عصام شرف بتشكيل الحكومة ! ، ولأول مرة فى التاريخ - وقد لا تكون الأخيرة - تعلن استقالة وزارة على الفيسبوك أولا ثم على باقى وسائل الإعلام .
وقد قوبل هذا البيان بارتياح كبير بين كافة المصريين ، خاصة وأنهم كانوا ينوون فى الجمعة التالية له القيام بمظاهرة مليونية كبري فى التحرير للمطالبة بإقالة شفيق .... ومن ساعتها كلما أعلن الشباب عن مظاهرة مليونية يوم الجمعة ، فإنهم يترقبون بيان للجيش على الفيسبوك لتحقيق جزء من مطالبهم لتهدئتهم ! .
المهم .... أنه قد حذا حذو الجيش فى إنشاء صفحة على الفيسبوك كل من النيابة العامة ، ومجلس الوزراء ، و وزارة الداخلية المصرية و وزارة الخارجية المصرية و وزارة التعليم العالي .
و هذا يؤكد على مدى أهمية الفضاء الالكتروني فى التواصل المجتمعي ، وفى توجيه الفكر و السياسة .
المهم .. استمرت بيانات الجيش الفيسبوكية ، واستمرت مطالبات الشعب الثائر بتسريع محاكمة الفاسدين الكبار ، والقبض على الطلقاء منهم ، وتزامن هذا مع عودة المليونيات التحريرية التى كانت عـُلـِّــقـَــت بعد تشكيل حكومة عصام شرف ، وتزامن كذلك مع انقطاع مفاجئ فى بيانات الجيش الفيسبوكية ، فسره البعض بقطيعة بين الشعب والجيش والبعض بانشغال الجيش ومصر كلها بالاستفتاء على التعديلات الدستورية .
أنا شخصيا تضايقت كثيرا فى هذه الفترة ، فقد أدمنت فعليا بيانات المجلس العسكري ، وأصبحت كل يوم أفتح صفحته عدة مرات أنتظر بيانا يثلج صدرى ويريح قلبى ! ..... وحدث هذا بعد 11 يوم من الانقطاع ، وظهر هذا البيان الأخضر الجميل ! . ( سخر أحد الفيسبوكيين من عودة الجيش إلى الفيسبوك بعد هذا الانقطاع وقال : أخيرا الجيش افتكر الباسوورد ! ) .
ثم تتالت بعض البيانات التأكيدية على استمرار الجيش فى دعم ثورة مصر ومطالبها وتحقيق كامل أهدافها .
ومع استمرار تساقط الفاسدين الكبار فى قبضة العدالة ، وإحساس المصريين أخيرا أنه لا أحد فوق القانون ، وقرار نشطاء الثورة تعليق الاعتصامات والمليونيات تضامنا مع المجلس العسكري خاصة وقد أوشكت مليونية الجمعة 8 أبريل أن تنتهى بما لايحمد عقباه عندما اشتبك بعض الشباب المعتصمين مع الجيش دفاعا عن ضباط سابقين انضموا للمظاهرات بزيهم العسكري وهاجموا المجلس العسكري بضراوة ... قرر الجيش مكافأة نشطاء الثورة بهذا البيان الأصفريكا الجامد أوى لشكرهم على إعادة الحياة الطبيعية فى ميدان التحرير و فض بقايا الاعتصامات فيه سلميا .
وصلت بيانات الجيش الفيسبوكية إلى 36 بيانا حتى لحظة كتابة هذا المقال .
وهذه البيانات تحمل قيمة عظيمة جدا جدا تتخطى المحتويات العظيمة للبيانات كإقالة الحكومة التى لا ترضاها الثورة ، أو التأكيد على رسوخ العلاقة بين الجيش والشعب ...الخ .
إنما هي تأكيد حاسم على أهمية الواقع الافتراضى المتضاعفة فى تشكيل الواقع الحقيقي ، و إيذان بأن الشباب المسلح بوسائل التقنية الحديثة قادر فى أيام معدودات أن يقهر - بفضل الله - استبداد عقود و عقود ، وأن الفيسبوك ليس وسيلة للتفاهة والهيافة وحرق الأوقات كما هو الحال عند بعض الشباب السيس ، وإنما للفيسبوك وظائف عظيمة تشير إليها هذه النكتة التى شاعت بعد الثورة المصرية :
" بيقولك مرة 2 مساطيل كانوا بيهيسوا خالص ، فواحد بيقول للتاني : هو يعنى ايه الفيسبوك ده ؟؟؟ ... فرد عليه : مش عارف بالضبط ، بس تقدر تقول هي حاجة كده بيشيلوا بيها الرؤساء ! "
الشعب والجيش والفيس ايد واحدة !
