لن يكون بإمكان التاريخ أن ينسى شهر يناير من عام 2011 بعد الميلاد ، فقد شهد هذا الشهر أحداثا لا تتسع لعظمتها وأهميتها وتلاحقها القرون الطويلة ! .
لقد شهد النصف الأول من هذا الشهر العجيب ، فصل الختام فى مسرحية الكوميديا السوداء المسماه ( حكم بن علي فى تونس ) ، وكان مشهد الختام فى يوم 14 يناير رائعا وغريبا بهروبه ذليلا خائفا من شعبه البطل ليحتمى بإخوته فى الاستبداد فى السعودية .
ولم يكد يأتى الأسبوع الأخير فى هذا الشهر ، حتى كان شباب مصر ورجالها يتسلمون شعلة الحرية من إخوانهم فى تونس ، لتندلع ثورة 25 يناير وتمتد لـ 18 يوما هم الأخطر والأهم والأغرب فى تاريخ مصر الحديث ، وشاء الله نصير المظلومين سبحانه وتعالى أن تنتهى الثورة بتحقيق أكبر أهدافها بتنحية الرئيس مبارك رأس نظام الفساد فى مصر من منصبه ، واستلام الجيش المصرى للسلطة لفترة انتقالية تمهد لانتقال مصرنا الحبيبة إلى عصر جديد من الحرية والديموقراطية والتقدم بإذن الله .
فى البداية .. لابد أن أحمد الله - سبحانه و تعالى - حمدا عظيما أنه مدَّ فى عمرى حتى رأيت هذه اللحظات التى لا تنسى .
وفى التالى سأقص عليكم بعضا من مشاهداتى فى أكبر تورة تستخدم التقنية الحديثة فى التاريخ .. لا أدعى البطولة .. ولا أنسب لنفسى فضلا لا أستحقه ، وإنما هي مشاهدات شاب مصري عادى كان دوره فى الثورة من النوع العادي ، ولذا فقبل أن أبدأ ، لابد أن أحيى الشهداء الغير عاديين الذى قاموا بأدوار خارقة غير عادية فى هذه الثورة المباركة . وكذلك أدعو الله أن يشفى آلاف المصابين الذين كانوا فى الصفوف الأولى فى وجه الظالمين .
سألخص هذه المشاهدات فى 10 مشاهد مختلفة الأحجام ووفقا للترتيب الزمنى للأحداث .
أولا : إرهاصات الثورة .. حضور تقنى قوي :
بعد الهروب المـُلهـِــم للمخلوع التونسي بن علي ، بات كل الشباب العربي يحلمون باليوم الذى يتجرع فيه كل الطغاة العرب من نفس الكأس ! ، وثارت النفوس المختقنة من الأساس بفعل المظالم والمفاسد التى تملأ بلادنا ، ولذا لم أستغرب وأنا أتصفح الفيسبوك - كعادتى اليومية - ووجدت دعوة على صفحة " كلنا خالد سعيد " إلى التظاهر فى يوم عيد الشرطة 25 يناير ، تعبيرا عن السخط الشعبي من ممارسات وزارة الداخلية الإجرامية ضد المواطنين ، وكذلك الدعوة لبعض الإصلاحات السياسية فى مصر .
وقد انتشرت هذه الدعوة كالعطر الفواح على كافة مواقع التواصل الاجتماعى على شبكة الانترنت ، خاصة فيسبوك وتويتر .
اندلعت المناقشات بينى وبين أصدقائى عن مدى جدية هذا المقترح ، وعن المشاركة في المظاهرات من عدمها ، واختلفنا كثيرا فى وجهات النظر لكن اتفقت معظم الآراء على أن : ( الشعب المصري خنوع ومستسلم وسلبي وهيبقى يوم فاكـِـس ! / أقصاها هتلاقى ألف ألفين هينضربوا على قفاهم ويتسحلوا وانتهى الموضوع / شباب مصر آخره كلمتين على الفيسبوك يشتم فيهم الحكومة ، لكن وقت الجد .. انسى ! .. ) . والحمد لله خابت كل هذه الظنون ، وأصابت الشرارة الفيسبوكية هدفها واندلع مالم يكن فى حسبان الظلمة والطغاة .
ثانيا : 25 يناير .. الانطلاقة :
منذ انطلقت الدعوة للتظاهر ، وأنا مهموم ولا أتوقف عن التفكير فيم عليّ أن أفعله .. هل أتظاهر ؟ أم لا داعى لذلك تجنبا للمشاكل الأمنية التى تؤرق القلب و " القفا " ؟؟ .. وللتخفيف من حدة التفكير سافرت خارج طنطا إلى زفتى حيث تسكن أختى ، لكن اللعب مع ابنتها الصغيرة لم يخفف من شدة التفكير ! .. وظللت هكذا حتى عصر يوم الثلاثاء 25 يناير .. وكان الأرجح فى عقلى أن يمر اليوم عاديا ، ولكن بدأت الاخبار تتوالى عن آلاف المتظاهرين خاصة فى القاهرة ! ، وعن اشتباكات بين المتظاهرين والأمن لاتزيد المتظاهرين إلا إصرارا فيقتحمون الكردونات الأمنية ، فتطلق عليهم قوات الأمن القنابل المسيلة للدموع والبلطجية والهراوات و الرصاص المطاطي ! ، ومع ذلك تقف الجموع فى وجههم بمنتهى الإصرار .... ماذا حدث ؟؟؟ .... هل هذا الشعب المصري الذى أصبح مضرب الأمثال فى الخضوع والانحناء للجبابرة ؟؟ .. كأن الشعب المصري خلق خلقا آخر فى هذا اليوم .
هاتفت أصدقائى فى طنطا ، فأخبرونى عن المئات بل الآلاف فى المظاهرات ! ، فثارت حميتى ، وبعد صلاة العشاء انضممت إلى المظاهرات .
كان العدد حوالى الألف ، وكانت قوات الأمن وقيادات الأمن فى المحافظة تسير فى الخلف ، أخبرنى من تواجد منذ الصباح من أصحابى أن الاشتباكات كانت بالنهار ، وأنهم قرروا أن ( يسيبونا نهتف لما لقونا مُـصـِـرِّين وما نفعش معانا الضرب ) ، عامة ً جابت المظاهرة كثيرا من أرجاء طنطا ، وانضم إليها المزيد من الناس حتى زادوا عن الألفين ، وكان هذا بالنسبة لي رقما ضخما لم يخطر ببالى فى أشد حالات تفاؤلى ، واستمر الحال هكذا 4 ساعات ، وكانت المظاهرة سلمية إلا من محاولات لتمزيق صور الرئيس التى تملأ الأرض والسماء والهواء ! ، وحينها كان الأمن يتدخل لتخويفنا لنبتعد عن الصور ، إلا أن الناس كانت تواجه الأمن بنـِــدِّيـَّةٍ غير مسبوقة ! .
ورغم أن أغلب شعاراتنا تضمنت مهاجمة للرئيس نفسه وكل أركان نظامه الكبرى ، إلا أننى وحتى هذه اللحظة لم أكن أطمع فى أكثر من ( التغتيت ) على الحكومة وربما إقالة بعض الوزراء أو إحداث بعض الصلاحيات ، واعتقدت جازما أن تركنا نهتف بتلك الهتافات القوية من سبيل : ( سيب الناس تنفـِّـس عشان تهدى ! ) ، خصوصا وأننى كنت أعتقد أن المظاهرات ستنتهى بانتصاف ليل الـ 25 من يناير ، وفى اليوم التالى يعود الشعب المصرى إلى دوامة الحياة المعتادة !
انتهى المطاف بالمظاهرة إلى أمام مبنى محافظة الغربية فى حدود الساعة العاشرة والنصف ليلا ، وهناك أرانى أحد أصدقائى مشهدا على الموبايل الخاص به عبر شبكة الانترنت لميدان التحرير فى تلك الساعة ... هذا المشهد أفزعنى وأسعدنى وأشعرنى بمزيج من العزة والدهشة لم أشعر به فى حياتى ...... الصورة لآلاف المتظاهرين يكتظون أمام مجمع التحرير الشهير فى الميدان ! ..... هل خرج الجنـِّــيُّ من القمقم ؟؟؟؟
عدت إلى البيت - وكما توقعت - ، قابلنى أهلى بسحابة من التوبيخ لأننى متهور وغبي و ( مش عارف مصلحتى ) و ( عاق للوالدين ) ، وسمعت كلاما من قبيل : ( هو انت اللى هتصلح الكون يا خيّ ! ) و ( طب افرض أخدت رصاصة وجالك عاهة ولا مـُت ، نروح احنا فيها بقى ؟!! ) ..الخ ، وفتحت التلفزيون لأشاهد الأخبار ، ولاحظت الصدمة والدهشة على وجوه المحللين السياسيين .. وكذلك أفزعتنى أخبار الشهداء الثلاثة فى السويس ، ووجدت نفسى أقول : غباء النظام وتعنته وغشمه واستبداده يأبى إلا أن يجعلها تونسية ! .
كما شاهدت هذا الفيديو المـُــلهـِــم على اليوتيوب ... من يصدق أن شباب مصر يفعل مثل هذا ؟؟
ثالثا : جمعة الغضب 28 يناير 2011 ... أهم يوم فى تاريخ مصر الحديث ! :
عندما انتشرت على الفيسبوك وغيرها من وسائل الإعلام أخبارَ " جمعة الغضب " ، تعبيرا عن غضب الشعب المصري من تجاوزات الأمن والنظام فى السويس والقاهرة والمحلة الكبرى وغيرها ..الخ ، شعرت بحماسة شديدة ، فقد استفزتنى ممارسات النظام وعنجهيته ، وقررت بشكل قاطع أن أشارك بها .
وفى ليلة الجمعة جلست فى غرفتى مع مجموعة من أصدقائى لوضع اللمسات الأخيرة لمشاركتنا فى المظاهرات ، وكان مزيج من القلق والخوف والاضطراب يسيطر علينا ، واتفقنا على الصلاة فى أحد المساجد الصغيرة لأننا توقعنا أن تحاصر المساجد الكبيرة من قبل قوات الأمن .
وقبل انتهاء الاجتماع ، استمعنا إلى قصيدة للشاعر البديع تميم البرغوثى عن ثورة مصر بعنوان : ( يا مصر هانت وبانت كلها كام يوم ) .. ومع تدفق أبيات القصيدة من فم تميم ، بدأت القشعريرة تسرى فى جسدى من تحمسه الشديد ، وأخذت أتساءل .. من أين له بهذا التفاؤل الشديد ؟؟ وهل فعلا ( هانت وبانت وكلها كام يوم ؟؟ ) .. الله أعلم ! .
استيقظت قبل صلاة الجمعة بساعة ، وفوجئت بقطع شبكات الموبايل والانترنت ، فزاد انفعالى وقلقى ، وكذلك فتحت الجزيرة لتطالعنى أخبار القبض على المئات من المعارضين السياسيين ليلا ، خاصة من جماعة الإخوان المسلمين بعد ان أعلنوا انضمامهم إلى فعاليات جمعة الغضب ... حاولت تهدئة نفسى ، وتوضأت وتوجهت إلى المسجد المتفق عليه ، وكانت الخطبة اعتيادية للغاية ، مما دفعنى دفعا إلى الغوص فى أفكارى ، وكان أقصى مناي فى تلك اللحظة - وقد أكلنى الفضول والتشوق والانفعال - أن أغمض عينى وأفتحها ، لأجد اليوم قد انتهى ! .
خرجنا من المسجد أنا ومجموعة من أصدقائى ، ونحن نتبادل النظرات الحائرة .. ماذا نفعل ؟ ، هل ننتظر قليلا ، أم نذهب إلى أمام ديوان عام المحافظة أم نـ .......... الشعب يريد إسقاط النظام ! .. الشعب يريد إسقاط النظام ! ..... اندفع النداء فجأة من آخر الشارع ، وإذ بمظاهرة من 50 فردا خرجت من إحدى المساجد القريبة ومتجهة إلينا ، فانضممنا إليها جميعا دون إبطاء ، وكان هذا فى حدود الساعة الـ 1 ظهرا .
رجت الهتافات الشوارع الداخلية بطنطا ، واستمر المشهد الدرامى بانضمام المظاهرات الصغيرة لبعضها البعض فى التكرر ، كفقاعات الماء الصغيرة عندما تتحد وتكون فقاعة كبيرة ، ولم تكد الساعة تعلن عن الثانية ظهرا ، حتى كان هناك ما لايفل عن 10 آلاف طنطاوي أمام ديوان عام المحافظة ! ، يهتفون هتافات متنوعة منها : الشعب يريد إسقاط النظام - يا مبارك يا مبارك .. السعودية بانتظارك - يا جمال قول لأبوك .. الشعب المصرى بيكرهوك - لا لمبارك أب وابن .. لا للفردة والاستبن ! - يا بيوت السويس يا بيوت مدينتى -....الخ .
وكان الشعور الذي يملأنى - بجانب السعادة الغامرة - هو التعجب من شيئين :
1- هذه الأعداد الغفيرة من المتظاهرين والذين ارتفع عددهم إلى ما يقارب الـ 50 ألفا عند العصر ، وشملوا كل طوائف المجتمع المصرى وشرائحه الاجتماعية والعمرية والثقافية .. كأن مصر كلها فى المظاهرة ، وهالنى كذلك سلوك الناس عندما اندفعت إحدى مدرعات الأمن المركزي الهوجاء بسرعة كبيرة باتجاه المظاهرة ( يبدو أن قائد المدرعة أصابه الذعر من الأعداد الهائلة ) ، فلم يفزع الناس منها ، وإنما - وبسرعة بديهة غريبة - أخلوا لها طريقا فى منتصف المظاهرة ، وفجأة قفز حوالى 7 شباب على المدرعة - لا تسألنى كيف - وغطوا زجاجها الأمامى فاضطر السائق لإيقافها ، ويبدوا أنهم شتموه ثم تركوه يمضى فى طريقه ، واستكملت المظاهرة هتافاتها كان شيئا لم يكن !! .... يبدو أن فكرة : ( الشعب المصرى آخره عصاية وخرطوم ميه ويجرى ) قد انتهى زمنها .
2- التواجد الأمنى القليل جدا ! : لقد كنت أظن أن جيوش الأمن المركزي الجرارة ستملأ شوارع طنطا ، لكننى فوجئت ببعض مدرعاته تتمركز أمام مديرية أمن المحافظة ، وحوالى 40 جنديا يتمركزون أمام مبنى المحافظة !! ... يبدوا أن نظريتى أنا وأصدقائى فى أن الأمن يعتبر طنطا مدينة هادئة قد صدقت ، وأنه سيوجه أغلب تعزيزاته إلى المحلة الكبرى - سابقة الذِّكر فى الانتفاضات والاعتصامات ضد النظام - خاصة وأن المحلة مشتعلة منذ الـ 25 من يناير ، وبالتالى كانت صدمة رهيبة أن تفاجئهم طنطا الوديعة بهذه المظاهرة الضخمة ............. وهنا يرتفع صوت فى الخلفية يقول : وخزوقنا الحكومة !! .
كانت أفضل صلاة عصر صليتها فى حياتى تلك التى أديتها على الأسفلت أمام مبنى المحافظة مع الآلاف من أبناء طنطا الثائرين ، وبعدها بدأت الأخبار تأتى من البيوت القريبة عبر قناة الجزيرة بأن القاهرة ( مولعة ) والاسكندرية ( جحيييييييم ) والمحلة ( بركاااااااان ) والمنصورة ( دمااااااااار ) ...الخ ، ماذا يحدث ؟؟؟ ، هل أذن الله سبحانه وتعالى بأن تأتى اللحظة التى ينتفض فيها شعب مصر على جلاديه ويدك عروشهم العفنة ؟؟؟ ... الله أكبر ! .
اقتربت الساعة من الرابعة عصرا، وفجأة قررت المظاهرة - التى ليس لها قيادة موحدة - أن تجوب شوارع طنطا ، فسرنا بطول شارع البحر الرئيسى إلى أن وصلنا إلى أول شارع رئيسى آخر هو شارع الجلاء ، وهناك فوجئنا بشعور غريب لم نشعر به من قبل .. حرقان فى العين والأنف .. لابد أنه المسيل للدموع ! ، وهنا ظهرت من العدم عشرات من زجاجات الخل و الكوكا كولا تنفيذا لنصيحة إخواننا التوانسة الفيسبوكية فى كيفية تقليل أثر القنابل المسيلة للدموع ! .
وكانت هناك سحابة هائلة من الدخان تغمر سماء شارع الجلاء ، وجاءتنا الأخبار أن شباب المنطقة المتحمسون ( وكثير منهم من سكان العشوائيات والمناطق الشعبية ) قد اشتبكوا مع عربات الأمن المركزي المتمركزة أمام قسم شرطة ثان طنطا .... بعد أسبوع شاهدت 4 من مدرعات الأمن المركزي هذه محترقة أمام القسم الذى لم يسلم من مصير مماثل .. يبدوا أن ( حبايب ) وزارة الداخلية فى طنطا كثيرون !!
اختلطت مشاعرى فى هذه اللحظة ، لقد كنت أتمنى أن يمر اليوم دون أي تخريب ، وزاد من حيرتى وغضبى أن اندفع المئات من المتظاهرين ( وأغلبهم ليسوا من المظاهرة الأصلية التى كانت فى شارع البحر ) باتجاه ميدان الساعة القريب ، حيث يوجد قسم شرطة أول طنطا ، وفى طريقه حطموا النوافذ الزجاجية لمقر مجلس مدينة طنطا ، و شرطة المرافق ، وكذلك بنك اسكندرية ، وخلال دقائق ، كان الآلاف يملأون ميدان الساعة ، وهنا اندفع طوفان من الطوب باتجاه مبنى القسم ، وحاول المتواجدون بداخله عبثا أن يطلقوا النار فى الهواء لتفريق الناس بلا جدوى ، واندفعت 4 مدرعات للأمن المركزي من أحد الشوارع الجانبية باتجاه القسم ، فنالت نصيبها من قوالب الطوب التى لا أعرف من أين أتى بها المتظاهرون ، وكاد إحدى قوالب الطوب الطائشة أن يحطم جمجمتى ، فاندفعت هاربا من الميدان عبر أحد الزقاقات الضيقة ومعى مجموعة من أصدقائى ، وقررت العودة إلى المنزل لعدم رضائي عن هذا التخريب لأقسام الشرطة .
علمت فيما بعد أنه تم إحراق القسم ، والتعدى على الكثير من الضباط والعساكر به والذين أجبرهم المتظاهرون على خلع ملابسهم الرسمية قبل الهرب ، واستولى بعض البلطجية على السلاح الذى كان موجودا بالقسم وفتحوا الزنازين وأخرجوا من فيها ، وأشبعوا أحد الضباط ضربا و إهانات بمختلف أنواعها مدعين أنه كان يذيقهم من التعذيب والإهانة ما لا يحتمل .
عدت إلى شارع البحر فى طريقى للمنزل مع أحد أصدقائى قرب الخامسة عصرا ، ووجدت معظم أفراد مظاهرتنا الأصلية وهم يسيرون فى مظاهرة سلمية كبيرة فى هذا الشارع بعيدا عن الأقسام المشتعلة . لكننى تركتهم وقررت العودة للمنزل لمعرفة الأخبار ولطمأنة أهلى الذين لم أخبرهم بأننى سأشارك فى المظاهرات تجنبا لـ ( وجع الدماغ ) ! .
تفاجأت بالمشاهد التى تنقلها الفضائيات للقاهرة ، الآلاف المؤلفة تملأ الشوارع ، والعشرات من عربات الأمن المركزي والشرطة المحترقة ، وأنباء عن نزول الجيش ! ... شئ لا يصدقه عقل ! . وأنباء عن تعرض المتحف المصرى للسرقة ( شئ مؤسف ) و احتراق المقر الرئيسى للحزب الوطنى ( هيييييييييه .. هييييييييه ) ، وأنباء عن مئات الشهداء والجرحى برصاص الأمن ولا حول ولاقوة إلا بالله .
وتواترت الأخبار من باقى المحافظات بمظاهرات ضخمة ، وحرق الكثير من أقسام الشرطة و بعض مقرات مباحث أمن الدولة ومبانى بعض المحافظات ، ومنذ الـ 6 مساء وهناك أخبار عن كلمة عاجلة للرئيس المصري بخصوص الأحداث .
عدت إلى الشارع فى حدود الثامنة مساء لأجد المئات من الشباب يشتبكون مع الأمن ، وأخبار عن سقوط بعض الشهداء بالرصاص ، وليلا جاءت الأنباء بحرق نقطة شرطة صغيرة أخرى فى طنطا ، وانتهى اليوم ، وعدت إلى البيت أنتظر كلمة الرئيس .
وفى حدود الـ 12.30 صباحا ، تفضـَّــل علينا سيادته بخطابه الذى يدل أنه لم يسمع من قبل بحديث النبي عليه الصلاة والسلام : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ) ! ، أو سمع به و ( بيستهبل ) ! .
وأخذ سيادته يشكر فى نفسه طوال الخطاب ، ثم تكرَّم علينا فى ختامه بأن قال أن طلب من الوزارة أن تقدم استقالتها ! ، يبدو أن وصفه بالبارد صحيح تماما ! ... البلد تحترق ، و أكثر من 8 ملايين يطالبون برحيله ونظامه ، فيكون رد فعله أن يعزل الحكومة التى اختارها بنفسه .. تبا !
بعد أن أفرغت ما فى تبقى فى جعبتى من شتائم تعليقا على الخطاب ( فقد أفرغت جزءا منها تعليقا على التلفزيون المصرى الذى يقول فى خبره الرئيسى : آلاف المتظاهرين فى بعض المحافظات ! ) ، قررت أن أخلد إلى النوم وقلبى بين مهابة ورجاء ، ودعوت الله أن يتم النصر لمصر .
رابعا : اللجان الشعبية ..... عندما يبرز الشعب المصرى عقده الأمنية وقدراته الشرطية ! :
لم تكد شمس الـ 29 يناير تغرب ، إلا و شباب مصر يملأون الشوارع متسلحين بأي شئ يمكن استخدامه كسلاح !، فقد تواترت الأنباء بانسحاب كل جنود وضباط وزارة الداخلية من الشوارع ، وأنباء عن هروب الآلاف من السجون ، وشائعات عن مئات البلطجية يقتحمون الشقق والمحلات مستغلين الفراغ الأمنى ! ، بالطبع أغلب هذه الشائعات كانت هراء خاصة الشائعات من قبيل : ( عربية فرنا حمرا مسروقة فيها 5 بلطجية برشاشات / 4 ميكروباصات من المحلة جايين يغزوا طنطا وهيقتلوا رجالها ويسبوا نساءها ! / 7 عربيات إسعاف اتسرقوا ومليانين مسلحين / سوبر ماركت .... وهايبر ماركت .... اتسرقوا بالبلاط ! / البلطجية سرقوا دبابة من الجيش ! ...... الخ ) ، ظللت يومها فى الشارع 16 ساعة متواصلة ، وتأكدت بنفسى من أن أغلب هذه الأخبار هراء .... وشعرت بأن كل هذا مخطط مدروس لإلهائنا عن الثورة ، خاصة وقد تفرغ التلفزيون المصرى طوال اليوم لأخبار احتراق واقتحام المولات التجارية فى القاهرة وغيرها ، وإن كان للأسف بعضها صحيح ، وشن حملة فظيعة من الترويع للناس بمكالمات الاستغاثة من البلطجية طوال الليل ! .
لكن كانت تجربة اللجان الشعبية بها الكثير من الميزات ، مثل تدريب شباب مصر على الصعاب ، وكذلك اكتشفت أن لى الكثير من الجيران ! ، و شعرت بمشاعر جميلة مثل الرجولة والشهامة والبسالة ...الخ ، وكذلك لم تخلُ من طرافة مخيفة وغرابة مدهشة .... فمشهد طفل عمره 10 سنين يحمل ساطورا ليس مشهدا معتادا أبدا ! .
وأهم ميزاتها أنها أعطت لشباب مصر الثقة فى أنفسهم ، فقد استكملوا كل الوظائف التى تركتها الدولة خاصة وزارة الداخلية ، حتى تنظيم المرور قاموا به ... ولذا لم يكن مستغربا أن نهتف فى الأيام التالية فى المظاهرات : ( أمن الدولة يا أمن الدولة .... احنا الأمن واحنا الدولة ! ) .
خامسا : اعذرونا ... شعب محدث ثورات ! :
لا تتعجبوا من صديقى الذى حرص على أخذ قنبلتين مسيلتين للدموع إلى بيته كتذكار ، ولا تتعجبوا من الآلاف من شباب طنطا الذين هرعوا لمشاهدة دبابات الجيش ومدرعاته التى تمكزت فى الأماكن المهمة بها .. فآخر تعاملنا مع الدبابات كان فى لعبة Red Alert الشهيرة ، وأكثرنا يراها للمرة الأولى فى حياته على أرض الواقع ! ، وكذلك لا تتعجبوا من مئات الشباب الذين كانوا يتوسلون لجنود الجيش كي يعتلوا الدبابات ليتم تصويرهم وهم فوقها .. ( بروفايلات الفيسبوك تنتظر هذه الصور على أحر من الجمر ! ) ،
أنا شخصيا حرصت أن ألمس الدبابات بكلتا يدي استغلالا لهذا الحادث الغريب والفريد فى فعل شئ جديد ! .
هذه الصورة بعنوان : أنا وعروستى والمجنزرة !
سادسا : خطابات الرئيس ... عندما يكون التوقيت لدى الرئيس متأخرا عن الشعب بأيام ، فالتنحى واجب ! :
خرج علينا الرئيس السابق ( السابق ...... شعور لا يوصف يتملكنى وأنا أكتب هذه الكلمة .. هيييييييييييييييييييه ) بـ 3 خطابات أثناء الثورة ، أقل ما توصف به أنها مدمــِّــرة !
الأول عشية جمعة الغضب : وقد أصاب المصريين بالذهول ، وأشعرهم أن القيادة فى الطراوة ، فالرئيس لم يحقق من مطالب الناس إلا مطلبا واحدا فرعيا وهو عزل الحكومة ، وزاد الطين بلة ، بأن ترك أكثر من نصف الوزراء القدامي فى مناصبهم ! ، ثم اتخذ قرارا عجيبا بتعيين نائب له بعد 30 سنة بدون نائب .... هل يعتقد سيادته أن الملايين خرجوا إلى الشوارع متظاهرين وثائرين معرضين أنفسهم لرصاص الأمن وللدهس تحت مدرعاته ، من أجل تعيين نائب لسيادته ؟؟؟؟؟
الثانى : عشية ثلاثاء المليونية 1 فبراير : عندما لعب الرئيس على الأوتار العاطفية بقوله أنه دافع عن مصر كثيرا وسيموت بها ويدفن بأرضها ، ووعد بمجموعة إصلاحات شكلية ...... أذكر أننى انفعلت جدا جدا على هذا الخطاب ، وأخذت أصرخ : ( الراجل ده ضحك على الشعب وأفسد الثورة ) ، وبالفعل بكى الكثيرون - لا أعلم لماذا - تأثرا بالخطاب الذى ألقاه الرئيس بوجه خالٍ من المشاعر ، وصرخ الكثيرون : الراجل عمل اللى عليه ، عايزين ايه تانى منه يا طماعين .... أصبت بحالة اكتئاب شديدة ، ولم أفق منها إلا على وقع أحداث اليوم التالى المسماة : الأربعاء الدامى ، عندما اقتحم المأجورون والموالون لمبارك ميدان التحرير ومعهم قوافل من الجمال والحمير ، وقتل عشرات من المعتصمين المعارضين له ، وجرحوا ما يقارب الـ 2000 .. ورغم حزنى الشديد على الشهداء والمصابين ، إلا أننى تنفست الصعداء لأن الكثيرين قد جعلتهم هذه الأحداث يفيقون من سكرة الخطاب المخادع ، وأدركوا أن النظام الفاسد حاضر وبقوة فى المشهد .... وتأججت الثورة من جديد .
الثالث : الخميس 10 فبراير ... الخطاب الجنوني : سرت أخبار عديدة فى ذلك اليوم بأن الرئيس سيتنحى بضغط من الجيش ، وانتظر الجميع على أحر من الجمر خطاب التنحى ، وكعادته .. فقد أجبرنا الرئيس على الانتظار عدة ساعات بل أن يطل علينا بطلعته البهية .
وجاءت الصدمة .. 17 دقيقة من اللف والدوران والشكر فى نفسه و اعترافه بالتأثر - الذى لا يبدوا على وجهه منه ذرة - للشهداء الذين سقطوا ، وتوعده بأنهم سيظل .. وسيبقى ... وسيواصل .... وسيفعل ... وسيحاسب ..... ، وفجأة سيسلم بعض صلاحياته للنائب عمر سليمان ! .
حالة من الهستريا انتابت المصريين بعد هذا الخطاب ، المئات أغمى عليهم ، مئات الآلاف انهمكوا فى سب الرجل بما لا يطاق من الشتائم والأوصاف ، وآخرون - خاصة فى ميدان التحرير - رفعوا الأحذية فى وجه الكاميرات !! ... واندفع الآلاف نحو مبنى التلفزيون والقصر الجمهوري .. وأعلن الشعب المصرى بقوة وبغضب ، أن الجمعة 11 فبراير ستكون جمعة الحسم ... وكانت .
وخرج علينا النائب عمر سليمان عند غروب شمس الجمعة 11 فبراير ليعلن تنحى الرئيس مبارك وتسليم السلطة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة فى خطاب لم يكمل دقيقة ..... أبلغ وأروع خطاب فى تاريخ مصر الحديث !! .
سابعا : عودة النت ! ..... فرق تســُــد :
بعد خطاب الرئيس يوم الثلاثاء 1 فبراير - المدروس أمنيا و نفسيا - والذى أثر فى عواطف الكثير من المصريين ، لدرجة أن بعضهم قد بكى من أجل الرئيس الطيب الحنون الذى يريد أن يدفن فى أرض مصر ! ، توقعت أنا وأصدقائى أن تعود شبكة الانترنت المقطوعة منذ جمعة الغضب ... وكان .
والهدف واضح .. إظهار الانقسام خاصة بين مرتادى الفيسبوك حاضن الثورة المصرية الأول ، وثد ظهر ذلك جليا ، وكم من الأصدقاء قد عملوا لبعضهم block بعد أن استعرّ الخلاف بينهم ، أعرف أناسا من أصدقائى ألغوا صداقتهم الفيسبوكية مع العشرات من أصدقائهم الذين وضعوا صورة الرئيس مبارك على بروفايلاتهم تمجيدا له على الخطاب الذى يرونه رائعا ! .
كان المخطط بسيطا ولكنه قاتل ، إجهاض الثورة التى اندلعت شرارتها الأولى فيسبوكيا بالفيسبوك ... وداوها بالتى كانت هي الداء .
لكن شاء الله أن ينقلب السحر على الساحر ، وأن يفجع الجميع بأحداث الأربعاء الدامي فى التحرير ، واشتغل مؤيدو الثورة عودة النت لإذكاء روح الثورة من جديد ، وامتلأ الفيسبوك وغيره بمشاهد وفيديوهات للثورة والقمع الأمنى للمتظاهرين ، كما امتلأ بالسخرية من الإعلام الحكومي الذى استعان بأحقر الأساليب لإفساد الثورة وتسميم الأجواء ، وعلى رأسها المنافقين والحاقدين وأذناب الحزب الوطني اللعين و .... تامر بتاع غمرة ! .. و الممثلين والمطربين ولاعبى الكرة التافهين ، وإشاعات عن وجبات كنتاكى توزع على لمعتصمين فى التحرير ( مع إن كنتاكي كان مغلقا طوال الثورة !! ) ومرتبات باليورو مقابل الثورة .....الخ هذا الهراء السمج ..... أووووووه .... كدت أن أنسى الأجندات ! ..... تلك التى جمعت شعوب الأرض كلها ضد الرئيس مبارك ونظامه .. تبا لكذب وغباء الإعلام الحكومي ! .
ثامنا : الجبهة الإعلامية للثورة المصرية (( قناة الجزيرة من قطر )) ! :
بالطبع هي أفضل قناة عربية إخبارية تقنيا وتحريريا و أكثرها مشاهدة ، وأنا شخصيا أحبها وأتابعها باستمرار ، إلا أن هناك ألغازا عديدة بخصوصها تؤرقنى .. ماسر هذا الانحياز الواضح والصريح لشعب مصر ضد النظام ؟؟ .. هل فعلا هناك ( أجندات ) سرية وراء هذا و تصفية حسابات بين النظام القطري والمصري ؟ ،
أم أنه رهان ذكي من قناة الجزيرة على الشعوب وانحياز للطرف الذى تراه منتصرا فى النهاية ؟، خصوصا أنه الطرف الذى يشاهد ويدفع الاشتراكات ! ... أيا كان .. لا يعنينى ، المهم أننى استفدت كثيرا من الجزيرة قبل الثورة ، وأثناءها .
لقد كانت الجزيرة عين رئيسية على ما يحدث فى مصر ، ورغم المضايقات وإغلاق مكتبها ، والسب والقذف الذى تعرضت له من الإعلام الحكومي ، إلا أنها نجحت فى جعل المشاهدين يتسمرون أمام شاشتها يتسمـَّــعون الأخبار ، خاصة وقد حولت الجزيرة كل مصري يملك كاميرا وهاتفا إلى مراسل لها ! ، فكانت صاحبة السبق فى التغطية .
وقد ظهر انحياز الجزيرة واضحا منذ البداية ، فقد جعلت الفاصل قبل أخبار مصر بعنوان : مصر تتحدث عن نفسها .. ثم غيرته إلى : مصر ، الشعب يريد .... ، وفتحت المجال لشباب الثورة ورجالها وللمعارضين المصريين بمختلف الأطياف للإدلاء بدلوهم حول الأحداث فى كل محافظات مصر ، كما أصرّت الجزيرة على تكرار عرض أخطر فيديو فى الثورة ، وهو فيديو معركة كوبرى قصر النيل فى القاهرة يوم جمعة الغضب ، عندما اشتبك الآلاف من جنود الأمن المركزي مع عشرات الآلاف من المتظاهرين ، وحاولت مدرعات الأمن المركزي دهس المتظاهرين وتخويفهم ، كما أمطروهم بسيول القنابل المسيلة للدموع ، ورشوا المصلين على الكوبرى بخراطيم المياه أثناء الصلاة فى مشهد دراماتيكي مؤلم ومستفز لأقصى درجة .
وكذلك تطوعت الجزيرة مشكورة بإذاعة مواعيد التظاهرات المليونية الكبرى وإطلاق التسميات على بعضها عند اللزوم ! .
كما صاغ تقنيو الجزيرة بعض الفواصل التى تظهر الانحياز الكامل لثورة شعب مصر ، وظهرت قمة الانحياز بالتقرير الذى أذاعته الجزيرة بعد تنحي الرئيس ... التقرير الذى يبدأ بالآية الكريمة : ( فاليوم نـُـنـَـجـِّــيكَ ببدنـِــكَ لتكونَ لمن خلفـَـــكَ آية ) ! .
الجيش والشعب والجزيرة .. ايد واحدة .
تاسعا : فى التحرير ..... النوم سلطان ! :
لم أشأ أن تمر هذه الثورة دون أن أزور التحرير .. ذاك العالم اللذيذ الرائع الذى تنقله لنا الفضائيات كل حين ، وشاء الله بعد صراع يومين فى النقاش مع أهلي أن أذهب أنا و 30 من أصدقائى إلى التحرير يوم الخميس 10 فبراير 2011 ، وذلك لنشارك فى مظاهرة كبرى لأطباء مصر من أمام بوابة القصر العيني بإتجاه التحرير ، تأييدا للثورة ، وكانت التظاهرة رائعة جدا ، فمشهد الآلاف بالبالطو الأبيض وهم يتظاهرون قد شد انتباه الجميع وأشعل حماسته .. وقد شاهدت بنفسى أحد المارة وهو يصيح بانفعال : ( والله الدكاترة خلصوها .. الراجل ده هيمشى ! ) ، ودخلنا التحرير وانتابنى شعور عظيم وأنا فى البقعة التى أذهلت العالم وأجبرت كاميرات الدنيا كلها على ألا تنشغل بسواها ، وقمت بجولة سريعة فى المكان ، وضحكت بشدة على اللافتات الكوميدية الرهيبة التى يكتظ بها المكان والتى تدل على روعة وعظمة وغرابة الإبداع المصري .. ولكن نظرا لأننى لم أنم فى تلك الليلة ، وبعد آداء صلاتى الظهر والعصر قصرا وجمعا على أرض التحرير ، فإننى هرعت إلى الخيمة البلاستيكية التى أذن لنا صاحبها باستخدامها و فرشت بطانية تخص صديقى ... و ... zzzzzzzzzzzzzzzzzzzzzzzz .
نمت ساعتين على أرض التحرير ! ، واستيقظت فى الساعة الرابعة عصرا وقررت وكثير من زملائى أن نعود إلى طنطا ، لأن جميعنا جاء بغير رضى من أهله ولا يريد مزيدا من المشاكل معهم ، وبمجرد أن ركبنا المترو ، اتصل بنا من بقى فى التحرير من أصدقائنا ليخبرونا أن قائدا فى الجيش بشـَّـرهم أن أنباء رائعة قادمة فى الطريق ، وسرت شائعات قوية أن مبارك سيتنحى ، فانتعشت الآمال ، وعدت إلى طنطا سعيدا ، وجلست بانتظار خطاب الرئيس ، الذى أفجعنى وسبب لى غضبا لم أعرف له مثيلا ، لم يطفئه إلا يقينى أنه قد انتهى سياسيا عندما اجتمع المجلس الأعلى للجيش بدونه فى وقت سابق للخطاب ، وانتظرت بأحر من الجمر جمعة الحسم أو الزحف ...الخ ، سمها ما شئت ، المهم أنها كانت القاضية ! .
عاش ميدان التحرير !
عاشرا : حسنى بره ..... ومصر حره ..... لله الحمد من قبل ومن بعد :
كنت أصلى المغرب فى المسجد عندما فوجئت بصياح مدوٍّ يشبه الذى كنت أسمعه عندما يحرز أحد اللاعبين هدفا فى المباريات المهمة ! ، وبدأت الأخبار تصل إلى مسامعنا داخل المسجد أن عمر سليمان أعلن تنحي الرئيس مبارك رسميا وأن السلطة بيد الجيش ! .
بذلت أقصى جهدى لأتمالك نفسى لأتمكن من مواصلة الصلاة ، وبمجرد تسليم الإمام اندفعت إلى البيت ومعى أحد أصدقائى لنتأكد من الخبر .. وبالفعل .. أحلى خبر قرأته على الشاشة فى حياتى .. لك الحمد يارب أن منحتنى فضل مشاهدة هذه اللحظة العظيمة فى تاريخ مصر والأمة العربية و الإسلامية ، والتى تحررت فيه أم الدنيا من بطش النظام الفاسد المفسد الذى دمـَّـــرها من كافة النواحي .
لقد ظهرت عناية الله جليـَّــةً فى هذه الثورة ، وقدَّر الله أن ترتد كل محاولات النظام لإفشالها فى نحره .
فواجبنا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على هذا النصر المبين للثورة وذلك بوسائل عديدة منها :
1- أن ندعو الله فى كل سجود أن يوفقنا لما فيه الخير ، وأن يرزقنا فى الدنيا حسنة ، وفى الآخرة حسنة ، وأن يقـينا عذاب النار ، وأن نقرن هذا الدعاء بالعمل المخلص الذى يرضيه .
2- أن نبذل قصارى جهودنا لحماية الثورة من سيناريوهات الثورة المضادة ، وأن نظل متيقظين دوما لمحاولة الالتفاف على مطالبنا .
3- ثورة على النفس بمعنى الكلمة ، باكتساب كل ما هو مفيد من الصفات والأخلاق ، والتخلص من كل الصفات السيئة مثل السلبية والتخاذل والهوان والضعف والتراخى و ... و ..... . والله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم .
4- التركيز على الحلول الابتكارية لمشاكل مصر ، فالميراث الضخم من الفساد والتأخر الذى تركه النظام القديم يحتاج إلى الكثير من الجهود المخلصة الإبداعية للتخلص منه ، وللنهوض بمصرنا الحبيبة .
5- تنمية ثقافاتنا الشخصية ووعينا السياسي ، والمساهمة فى توعية غيرنا ، وذلك لنستفيد من الحراك السياسي القادم بإذن الله أقصى استفادة لصالح مصر .
وعذرا للإطالة ...... والآن اتركوني لأستمع إلى رائعة : ( مصر تتحدث عن نفسها ) لأم كلثوم .... فهذا وقتها ! .
بعض صور المظاهرات من طنطا :
مسيرة الأطباء من أمام القصر العيني لميدان التحرير :
سألخص هذه المشاهدات فى 10 مشاهد مختلفة الأحجام ووفقا للترتيب الزمنى للأحداث .
أولا : إرهاصات الثورة .. حضور تقنى قوي :
بعد الهروب المـُلهـِــم للمخلوع التونسي بن علي ، بات كل الشباب العربي يحلمون باليوم الذى يتجرع فيه كل الطغاة العرب من نفس الكأس ! ، وثارت النفوس المختقنة من الأساس بفعل المظالم والمفاسد التى تملأ بلادنا ، ولذا لم أستغرب وأنا أتصفح الفيسبوك - كعادتى اليومية - ووجدت دعوة على صفحة " كلنا خالد سعيد " إلى التظاهر فى يوم عيد الشرطة 25 يناير ، تعبيرا عن السخط الشعبي من ممارسات وزارة الداخلية الإجرامية ضد المواطنين ، وكذلك الدعوة لبعض الإصلاحات السياسية فى مصر .
وقد انتشرت هذه الدعوة كالعطر الفواح على كافة مواقع التواصل الاجتماعى على شبكة الانترنت ، خاصة فيسبوك وتويتر .
اندلعت المناقشات بينى وبين أصدقائى عن مدى جدية هذا المقترح ، وعن المشاركة في المظاهرات من عدمها ، واختلفنا كثيرا فى وجهات النظر لكن اتفقت معظم الآراء على أن : ( الشعب المصري خنوع ومستسلم وسلبي وهيبقى يوم فاكـِـس ! / أقصاها هتلاقى ألف ألفين هينضربوا على قفاهم ويتسحلوا وانتهى الموضوع / شباب مصر آخره كلمتين على الفيسبوك يشتم فيهم الحكومة ، لكن وقت الجد .. انسى ! .. ) . والحمد لله خابت كل هذه الظنون ، وأصابت الشرارة الفيسبوكية هدفها واندلع مالم يكن فى حسبان الظلمة والطغاة .
ثانيا : 25 يناير .. الانطلاقة :
منذ انطلقت الدعوة للتظاهر ، وأنا مهموم ولا أتوقف عن التفكير فيم عليّ أن أفعله .. هل أتظاهر ؟ أم لا داعى لذلك تجنبا للمشاكل الأمنية التى تؤرق القلب و " القفا " ؟؟ .. وللتخفيف من حدة التفكير سافرت خارج طنطا إلى زفتى حيث تسكن أختى ، لكن اللعب مع ابنتها الصغيرة لم يخفف من شدة التفكير ! .. وظللت هكذا حتى عصر يوم الثلاثاء 25 يناير .. وكان الأرجح فى عقلى أن يمر اليوم عاديا ، ولكن بدأت الاخبار تتوالى عن آلاف المتظاهرين خاصة فى القاهرة ! ، وعن اشتباكات بين المتظاهرين والأمن لاتزيد المتظاهرين إلا إصرارا فيقتحمون الكردونات الأمنية ، فتطلق عليهم قوات الأمن القنابل المسيلة للدموع والبلطجية والهراوات و الرصاص المطاطي ! ، ومع ذلك تقف الجموع فى وجههم بمنتهى الإصرار .... ماذا حدث ؟؟؟ .... هل هذا الشعب المصري الذى أصبح مضرب الأمثال فى الخضوع والانحناء للجبابرة ؟؟ .. كأن الشعب المصري خلق خلقا آخر فى هذا اليوم .
هاتفت أصدقائى فى طنطا ، فأخبرونى عن المئات بل الآلاف فى المظاهرات ! ، فثارت حميتى ، وبعد صلاة العشاء انضممت إلى المظاهرات .
كان العدد حوالى الألف ، وكانت قوات الأمن وقيادات الأمن فى المحافظة تسير فى الخلف ، أخبرنى من تواجد منذ الصباح من أصحابى أن الاشتباكات كانت بالنهار ، وأنهم قرروا أن ( يسيبونا نهتف لما لقونا مُـصـِـرِّين وما نفعش معانا الضرب ) ، عامة ً جابت المظاهرة كثيرا من أرجاء طنطا ، وانضم إليها المزيد من الناس حتى زادوا عن الألفين ، وكان هذا بالنسبة لي رقما ضخما لم يخطر ببالى فى أشد حالات تفاؤلى ، واستمر الحال هكذا 4 ساعات ، وكانت المظاهرة سلمية إلا من محاولات لتمزيق صور الرئيس التى تملأ الأرض والسماء والهواء ! ، وحينها كان الأمن يتدخل لتخويفنا لنبتعد عن الصور ، إلا أن الناس كانت تواجه الأمن بنـِــدِّيـَّةٍ غير مسبوقة ! .
ورغم أن أغلب شعاراتنا تضمنت مهاجمة للرئيس نفسه وكل أركان نظامه الكبرى ، إلا أننى وحتى هذه اللحظة لم أكن أطمع فى أكثر من ( التغتيت ) على الحكومة وربما إقالة بعض الوزراء أو إحداث بعض الصلاحيات ، واعتقدت جازما أن تركنا نهتف بتلك الهتافات القوية من سبيل : ( سيب الناس تنفـِّـس عشان تهدى ! ) ، خصوصا وأننى كنت أعتقد أن المظاهرات ستنتهى بانتصاف ليل الـ 25 من يناير ، وفى اليوم التالى يعود الشعب المصرى إلى دوامة الحياة المعتادة !
انتهى المطاف بالمظاهرة إلى أمام مبنى محافظة الغربية فى حدود الساعة العاشرة والنصف ليلا ، وهناك أرانى أحد أصدقائى مشهدا على الموبايل الخاص به عبر شبكة الانترنت لميدان التحرير فى تلك الساعة ... هذا المشهد أفزعنى وأسعدنى وأشعرنى بمزيج من العزة والدهشة لم أشعر به فى حياتى ...... الصورة لآلاف المتظاهرين يكتظون أمام مجمع التحرير الشهير فى الميدان ! ..... هل خرج الجنـِّــيُّ من القمقم ؟؟؟؟
عدت إلى البيت - وكما توقعت - ، قابلنى أهلى بسحابة من التوبيخ لأننى متهور وغبي و ( مش عارف مصلحتى ) و ( عاق للوالدين ) ، وسمعت كلاما من قبيل : ( هو انت اللى هتصلح الكون يا خيّ ! ) و ( طب افرض أخدت رصاصة وجالك عاهة ولا مـُت ، نروح احنا فيها بقى ؟!! ) ..الخ ، وفتحت التلفزيون لأشاهد الأخبار ، ولاحظت الصدمة والدهشة على وجوه المحللين السياسيين .. وكذلك أفزعتنى أخبار الشهداء الثلاثة فى السويس ، ووجدت نفسى أقول : غباء النظام وتعنته وغشمه واستبداده يأبى إلا أن يجعلها تونسية ! .
كما شاهدت هذا الفيديو المـُــلهـِــم على اليوتيوب ... من يصدق أن شباب مصر يفعل مثل هذا ؟؟
ثالثا : جمعة الغضب 28 يناير 2011 ... أهم يوم فى تاريخ مصر الحديث ! :
عندما انتشرت على الفيسبوك وغيرها من وسائل الإعلام أخبارَ " جمعة الغضب " ، تعبيرا عن غضب الشعب المصري من تجاوزات الأمن والنظام فى السويس والقاهرة والمحلة الكبرى وغيرها ..الخ ، شعرت بحماسة شديدة ، فقد استفزتنى ممارسات النظام وعنجهيته ، وقررت بشكل قاطع أن أشارك بها .
وفى ليلة الجمعة جلست فى غرفتى مع مجموعة من أصدقائى لوضع اللمسات الأخيرة لمشاركتنا فى المظاهرات ، وكان مزيج من القلق والخوف والاضطراب يسيطر علينا ، واتفقنا على الصلاة فى أحد المساجد الصغيرة لأننا توقعنا أن تحاصر المساجد الكبيرة من قبل قوات الأمن .
وقبل انتهاء الاجتماع ، استمعنا إلى قصيدة للشاعر البديع تميم البرغوثى عن ثورة مصر بعنوان : ( يا مصر هانت وبانت كلها كام يوم ) .. ومع تدفق أبيات القصيدة من فم تميم ، بدأت القشعريرة تسرى فى جسدى من تحمسه الشديد ، وأخذت أتساءل .. من أين له بهذا التفاؤل الشديد ؟؟ وهل فعلا ( هانت وبانت وكلها كام يوم ؟؟ ) .. الله أعلم ! .
استيقظت قبل صلاة الجمعة بساعة ، وفوجئت بقطع شبكات الموبايل والانترنت ، فزاد انفعالى وقلقى ، وكذلك فتحت الجزيرة لتطالعنى أخبار القبض على المئات من المعارضين السياسيين ليلا ، خاصة من جماعة الإخوان المسلمين بعد ان أعلنوا انضمامهم إلى فعاليات جمعة الغضب ... حاولت تهدئة نفسى ، وتوضأت وتوجهت إلى المسجد المتفق عليه ، وكانت الخطبة اعتيادية للغاية ، مما دفعنى دفعا إلى الغوص فى أفكارى ، وكان أقصى مناي فى تلك اللحظة - وقد أكلنى الفضول والتشوق والانفعال - أن أغمض عينى وأفتحها ، لأجد اليوم قد انتهى ! .
خرجنا من المسجد أنا ومجموعة من أصدقائى ، ونحن نتبادل النظرات الحائرة .. ماذا نفعل ؟ ، هل ننتظر قليلا ، أم نذهب إلى أمام ديوان عام المحافظة أم نـ .......... الشعب يريد إسقاط النظام ! .. الشعب يريد إسقاط النظام ! ..... اندفع النداء فجأة من آخر الشارع ، وإذ بمظاهرة من 50 فردا خرجت من إحدى المساجد القريبة ومتجهة إلينا ، فانضممنا إليها جميعا دون إبطاء ، وكان هذا فى حدود الساعة الـ 1 ظهرا .
رجت الهتافات الشوارع الداخلية بطنطا ، واستمر المشهد الدرامى بانضمام المظاهرات الصغيرة لبعضها البعض فى التكرر ، كفقاعات الماء الصغيرة عندما تتحد وتكون فقاعة كبيرة ، ولم تكد الساعة تعلن عن الثانية ظهرا ، حتى كان هناك ما لايفل عن 10 آلاف طنطاوي أمام ديوان عام المحافظة ! ، يهتفون هتافات متنوعة منها : الشعب يريد إسقاط النظام - يا مبارك يا مبارك .. السعودية بانتظارك - يا جمال قول لأبوك .. الشعب المصرى بيكرهوك - لا لمبارك أب وابن .. لا للفردة والاستبن ! - يا بيوت السويس يا بيوت مدينتى -....الخ .
وكان الشعور الذي يملأنى - بجانب السعادة الغامرة - هو التعجب من شيئين :
1- هذه الأعداد الغفيرة من المتظاهرين والذين ارتفع عددهم إلى ما يقارب الـ 50 ألفا عند العصر ، وشملوا كل طوائف المجتمع المصرى وشرائحه الاجتماعية والعمرية والثقافية .. كأن مصر كلها فى المظاهرة ، وهالنى كذلك سلوك الناس عندما اندفعت إحدى مدرعات الأمن المركزي الهوجاء بسرعة كبيرة باتجاه المظاهرة ( يبدو أن قائد المدرعة أصابه الذعر من الأعداد الهائلة ) ، فلم يفزع الناس منها ، وإنما - وبسرعة بديهة غريبة - أخلوا لها طريقا فى منتصف المظاهرة ، وفجأة قفز حوالى 7 شباب على المدرعة - لا تسألنى كيف - وغطوا زجاجها الأمامى فاضطر السائق لإيقافها ، ويبدوا أنهم شتموه ثم تركوه يمضى فى طريقه ، واستكملت المظاهرة هتافاتها كان شيئا لم يكن !! .... يبدو أن فكرة : ( الشعب المصرى آخره عصاية وخرطوم ميه ويجرى ) قد انتهى زمنها .
2- التواجد الأمنى القليل جدا ! : لقد كنت أظن أن جيوش الأمن المركزي الجرارة ستملأ شوارع طنطا ، لكننى فوجئت ببعض مدرعاته تتمركز أمام مديرية أمن المحافظة ، وحوالى 40 جنديا يتمركزون أمام مبنى المحافظة !! ... يبدوا أن نظريتى أنا وأصدقائى فى أن الأمن يعتبر طنطا مدينة هادئة قد صدقت ، وأنه سيوجه أغلب تعزيزاته إلى المحلة الكبرى - سابقة الذِّكر فى الانتفاضات والاعتصامات ضد النظام - خاصة وأن المحلة مشتعلة منذ الـ 25 من يناير ، وبالتالى كانت صدمة رهيبة أن تفاجئهم طنطا الوديعة بهذه المظاهرة الضخمة ............. وهنا يرتفع صوت فى الخلفية يقول : وخزوقنا الحكومة !! .
كانت أفضل صلاة عصر صليتها فى حياتى تلك التى أديتها على الأسفلت أمام مبنى المحافظة مع الآلاف من أبناء طنطا الثائرين ، وبعدها بدأت الأخبار تأتى من البيوت القريبة عبر قناة الجزيرة بأن القاهرة ( مولعة ) والاسكندرية ( جحيييييييم ) والمحلة ( بركاااااااان ) والمنصورة ( دمااااااااار ) ...الخ ، ماذا يحدث ؟؟؟ ، هل أذن الله سبحانه وتعالى بأن تأتى اللحظة التى ينتفض فيها شعب مصر على جلاديه ويدك عروشهم العفنة ؟؟؟ ... الله أكبر ! .
اقتربت الساعة من الرابعة عصرا، وفجأة قررت المظاهرة - التى ليس لها قيادة موحدة - أن تجوب شوارع طنطا ، فسرنا بطول شارع البحر الرئيسى إلى أن وصلنا إلى أول شارع رئيسى آخر هو شارع الجلاء ، وهناك فوجئنا بشعور غريب لم نشعر به من قبل .. حرقان فى العين والأنف .. لابد أنه المسيل للدموع ! ، وهنا ظهرت من العدم عشرات من زجاجات الخل و الكوكا كولا تنفيذا لنصيحة إخواننا التوانسة الفيسبوكية فى كيفية تقليل أثر القنابل المسيلة للدموع ! .
وكانت هناك سحابة هائلة من الدخان تغمر سماء شارع الجلاء ، وجاءتنا الأخبار أن شباب المنطقة المتحمسون ( وكثير منهم من سكان العشوائيات والمناطق الشعبية ) قد اشتبكوا مع عربات الأمن المركزي المتمركزة أمام قسم شرطة ثان طنطا .... بعد أسبوع شاهدت 4 من مدرعات الأمن المركزي هذه محترقة أمام القسم الذى لم يسلم من مصير مماثل .. يبدوا أن ( حبايب ) وزارة الداخلية فى طنطا كثيرون !!
اختلطت مشاعرى فى هذه اللحظة ، لقد كنت أتمنى أن يمر اليوم دون أي تخريب ، وزاد من حيرتى وغضبى أن اندفع المئات من المتظاهرين ( وأغلبهم ليسوا من المظاهرة الأصلية التى كانت فى شارع البحر ) باتجاه ميدان الساعة القريب ، حيث يوجد قسم شرطة أول طنطا ، وفى طريقه حطموا النوافذ الزجاجية لمقر مجلس مدينة طنطا ، و شرطة المرافق ، وكذلك بنك اسكندرية ، وخلال دقائق ، كان الآلاف يملأون ميدان الساعة ، وهنا اندفع طوفان من الطوب باتجاه مبنى القسم ، وحاول المتواجدون بداخله عبثا أن يطلقوا النار فى الهواء لتفريق الناس بلا جدوى ، واندفعت 4 مدرعات للأمن المركزي من أحد الشوارع الجانبية باتجاه القسم ، فنالت نصيبها من قوالب الطوب التى لا أعرف من أين أتى بها المتظاهرون ، وكاد إحدى قوالب الطوب الطائشة أن يحطم جمجمتى ، فاندفعت هاربا من الميدان عبر أحد الزقاقات الضيقة ومعى مجموعة من أصدقائى ، وقررت العودة إلى المنزل لعدم رضائي عن هذا التخريب لأقسام الشرطة .
علمت فيما بعد أنه تم إحراق القسم ، والتعدى على الكثير من الضباط والعساكر به والذين أجبرهم المتظاهرون على خلع ملابسهم الرسمية قبل الهرب ، واستولى بعض البلطجية على السلاح الذى كان موجودا بالقسم وفتحوا الزنازين وأخرجوا من فيها ، وأشبعوا أحد الضباط ضربا و إهانات بمختلف أنواعها مدعين أنه كان يذيقهم من التعذيب والإهانة ما لا يحتمل .
عدت إلى شارع البحر فى طريقى للمنزل مع أحد أصدقائى قرب الخامسة عصرا ، ووجدت معظم أفراد مظاهرتنا الأصلية وهم يسيرون فى مظاهرة سلمية كبيرة فى هذا الشارع بعيدا عن الأقسام المشتعلة . لكننى تركتهم وقررت العودة للمنزل لمعرفة الأخبار ولطمأنة أهلى الذين لم أخبرهم بأننى سأشارك فى المظاهرات تجنبا لـ ( وجع الدماغ ) ! .
تفاجأت بالمشاهد التى تنقلها الفضائيات للقاهرة ، الآلاف المؤلفة تملأ الشوارع ، والعشرات من عربات الأمن المركزي والشرطة المحترقة ، وأنباء عن نزول الجيش ! ... شئ لا يصدقه عقل ! . وأنباء عن تعرض المتحف المصرى للسرقة ( شئ مؤسف ) و احتراق المقر الرئيسى للحزب الوطنى ( هيييييييييه .. هييييييييه ) ، وأنباء عن مئات الشهداء والجرحى برصاص الأمن ولا حول ولاقوة إلا بالله .
وتواترت الأخبار من باقى المحافظات بمظاهرات ضخمة ، وحرق الكثير من أقسام الشرطة و بعض مقرات مباحث أمن الدولة ومبانى بعض المحافظات ، ومنذ الـ 6 مساء وهناك أخبار عن كلمة عاجلة للرئيس المصري بخصوص الأحداث .
عدت إلى الشارع فى حدود الثامنة مساء لأجد المئات من الشباب يشتبكون مع الأمن ، وأخبار عن سقوط بعض الشهداء بالرصاص ، وليلا جاءت الأنباء بحرق نقطة شرطة صغيرة أخرى فى طنطا ، وانتهى اليوم ، وعدت إلى البيت أنتظر كلمة الرئيس .
وفى حدود الـ 12.30 صباحا ، تفضـَّــل علينا سيادته بخطابه الذى يدل أنه لم يسمع من قبل بحديث النبي عليه الصلاة والسلام : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ) ! ، أو سمع به و ( بيستهبل ) ! .
وأخذ سيادته يشكر فى نفسه طوال الخطاب ، ثم تكرَّم علينا فى ختامه بأن قال أن طلب من الوزارة أن تقدم استقالتها ! ، يبدو أن وصفه بالبارد صحيح تماما ! ... البلد تحترق ، و أكثر من 8 ملايين يطالبون برحيله ونظامه ، فيكون رد فعله أن يعزل الحكومة التى اختارها بنفسه .. تبا !
بعد أن أفرغت ما فى تبقى فى جعبتى من شتائم تعليقا على الخطاب ( فقد أفرغت جزءا منها تعليقا على التلفزيون المصرى الذى يقول فى خبره الرئيسى : آلاف المتظاهرين فى بعض المحافظات ! ) ، قررت أن أخلد إلى النوم وقلبى بين مهابة ورجاء ، ودعوت الله أن يتم النصر لمصر .
رابعا : اللجان الشعبية ..... عندما يبرز الشعب المصرى عقده الأمنية وقدراته الشرطية ! :
لم تكد شمس الـ 29 يناير تغرب ، إلا و شباب مصر يملأون الشوارع متسلحين بأي شئ يمكن استخدامه كسلاح !، فقد تواترت الأنباء بانسحاب كل جنود وضباط وزارة الداخلية من الشوارع ، وأنباء عن هروب الآلاف من السجون ، وشائعات عن مئات البلطجية يقتحمون الشقق والمحلات مستغلين الفراغ الأمنى ! ، بالطبع أغلب هذه الشائعات كانت هراء خاصة الشائعات من قبيل : ( عربية فرنا حمرا مسروقة فيها 5 بلطجية برشاشات / 4 ميكروباصات من المحلة جايين يغزوا طنطا وهيقتلوا رجالها ويسبوا نساءها ! / 7 عربيات إسعاف اتسرقوا ومليانين مسلحين / سوبر ماركت .... وهايبر ماركت .... اتسرقوا بالبلاط ! / البلطجية سرقوا دبابة من الجيش ! ...... الخ ) ، ظللت يومها فى الشارع 16 ساعة متواصلة ، وتأكدت بنفسى من أن أغلب هذه الأخبار هراء .... وشعرت بأن كل هذا مخطط مدروس لإلهائنا عن الثورة ، خاصة وقد تفرغ التلفزيون المصرى طوال اليوم لأخبار احتراق واقتحام المولات التجارية فى القاهرة وغيرها ، وإن كان للأسف بعضها صحيح ، وشن حملة فظيعة من الترويع للناس بمكالمات الاستغاثة من البلطجية طوال الليل ! .
لكن كانت تجربة اللجان الشعبية بها الكثير من الميزات ، مثل تدريب شباب مصر على الصعاب ، وكذلك اكتشفت أن لى الكثير من الجيران ! ، و شعرت بمشاعر جميلة مثل الرجولة والشهامة والبسالة ...الخ ، وكذلك لم تخلُ من طرافة مخيفة وغرابة مدهشة .... فمشهد طفل عمره 10 سنين يحمل ساطورا ليس مشهدا معتادا أبدا ! .
وأهم ميزاتها أنها أعطت لشباب مصر الثقة فى أنفسهم ، فقد استكملوا كل الوظائف التى تركتها الدولة خاصة وزارة الداخلية ، حتى تنظيم المرور قاموا به ... ولذا لم يكن مستغربا أن نهتف فى الأيام التالية فى المظاهرات : ( أمن الدولة يا أمن الدولة .... احنا الأمن واحنا الدولة ! ) .
| شعار المنطقة : البتاع الأصفر اللي في دماغنا ده .. و أي حد مش لابسه يحاكم محاكمه عادلة و يعدم |
خامسا : اعذرونا ... شعب محدث ثورات ! :
لا تتعجبوا من صديقى الذى حرص على أخذ قنبلتين مسيلتين للدموع إلى بيته كتذكار ، ولا تتعجبوا من الآلاف من شباب طنطا الذين هرعوا لمشاهدة دبابات الجيش ومدرعاته التى تمكزت فى الأماكن المهمة بها .. فآخر تعاملنا مع الدبابات كان فى لعبة Red Alert الشهيرة ، وأكثرنا يراها للمرة الأولى فى حياته على أرض الواقع ! ، وكذلك لا تتعجبوا من مئات الشباب الذين كانوا يتوسلون لجنود الجيش كي يعتلوا الدبابات ليتم تصويرهم وهم فوقها .. ( بروفايلات الفيسبوك تنتظر هذه الصور على أحر من الجمر ! ) ،
أنا شخصيا حرصت أن ألمس الدبابات بكلتا يدي استغلالا لهذا الحادث الغريب والفريد فى فعل شئ جديد ! .
هذه الصورة بعنوان : أنا وعروستى والمجنزرة !
سادسا : خطابات الرئيس ... عندما يكون التوقيت لدى الرئيس متأخرا عن الشعب بأيام ، فالتنحى واجب ! :
خرج علينا الرئيس السابق ( السابق ...... شعور لا يوصف يتملكنى وأنا أكتب هذه الكلمة .. هيييييييييييييييييييه ) بـ 3 خطابات أثناء الثورة ، أقل ما توصف به أنها مدمــِّــرة !
الأول عشية جمعة الغضب : وقد أصاب المصريين بالذهول ، وأشعرهم أن القيادة فى الطراوة ، فالرئيس لم يحقق من مطالب الناس إلا مطلبا واحدا فرعيا وهو عزل الحكومة ، وزاد الطين بلة ، بأن ترك أكثر من نصف الوزراء القدامي فى مناصبهم ! ، ثم اتخذ قرارا عجيبا بتعيين نائب له بعد 30 سنة بدون نائب .... هل يعتقد سيادته أن الملايين خرجوا إلى الشوارع متظاهرين وثائرين معرضين أنفسهم لرصاص الأمن وللدهس تحت مدرعاته ، من أجل تعيين نائب لسيادته ؟؟؟؟؟
الثانى : عشية ثلاثاء المليونية 1 فبراير : عندما لعب الرئيس على الأوتار العاطفية بقوله أنه دافع عن مصر كثيرا وسيموت بها ويدفن بأرضها ، ووعد بمجموعة إصلاحات شكلية ...... أذكر أننى انفعلت جدا جدا على هذا الخطاب ، وأخذت أصرخ : ( الراجل ده ضحك على الشعب وأفسد الثورة ) ، وبالفعل بكى الكثيرون - لا أعلم لماذا - تأثرا بالخطاب الذى ألقاه الرئيس بوجه خالٍ من المشاعر ، وصرخ الكثيرون : الراجل عمل اللى عليه ، عايزين ايه تانى منه يا طماعين .... أصبت بحالة اكتئاب شديدة ، ولم أفق منها إلا على وقع أحداث اليوم التالى المسماة : الأربعاء الدامى ، عندما اقتحم المأجورون والموالون لمبارك ميدان التحرير ومعهم قوافل من الجمال والحمير ، وقتل عشرات من المعتصمين المعارضين له ، وجرحوا ما يقارب الـ 2000 .. ورغم حزنى الشديد على الشهداء والمصابين ، إلا أننى تنفست الصعداء لأن الكثيرين قد جعلتهم هذه الأحداث يفيقون من سكرة الخطاب المخادع ، وأدركوا أن النظام الفاسد حاضر وبقوة فى المشهد .... وتأججت الثورة من جديد .
الثالث : الخميس 10 فبراير ... الخطاب الجنوني : سرت أخبار عديدة فى ذلك اليوم بأن الرئيس سيتنحى بضغط من الجيش ، وانتظر الجميع على أحر من الجمر خطاب التنحى ، وكعادته .. فقد أجبرنا الرئيس على الانتظار عدة ساعات بل أن يطل علينا بطلعته البهية .
وجاءت الصدمة .. 17 دقيقة من اللف والدوران والشكر فى نفسه و اعترافه بالتأثر - الذى لا يبدوا على وجهه منه ذرة - للشهداء الذين سقطوا ، وتوعده بأنهم سيظل .. وسيبقى ... وسيواصل .... وسيفعل ... وسيحاسب ..... ، وفجأة سيسلم بعض صلاحياته للنائب عمر سليمان ! .
حالة من الهستريا انتابت المصريين بعد هذا الخطاب ، المئات أغمى عليهم ، مئات الآلاف انهمكوا فى سب الرجل بما لا يطاق من الشتائم والأوصاف ، وآخرون - خاصة فى ميدان التحرير - رفعوا الأحذية فى وجه الكاميرات !! ... واندفع الآلاف نحو مبنى التلفزيون والقصر الجمهوري .. وأعلن الشعب المصرى بقوة وبغضب ، أن الجمعة 11 فبراير ستكون جمعة الحسم ... وكانت .
وخرج علينا النائب عمر سليمان عند غروب شمس الجمعة 11 فبراير ليعلن تنحى الرئيس مبارك وتسليم السلطة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة فى خطاب لم يكمل دقيقة ..... أبلغ وأروع خطاب فى تاريخ مصر الحديث !! .
سابعا : عودة النت ! ..... فرق تســُــد :
بعد خطاب الرئيس يوم الثلاثاء 1 فبراير - المدروس أمنيا و نفسيا - والذى أثر فى عواطف الكثير من المصريين ، لدرجة أن بعضهم قد بكى من أجل الرئيس الطيب الحنون الذى يريد أن يدفن فى أرض مصر ! ، توقعت أنا وأصدقائى أن تعود شبكة الانترنت المقطوعة منذ جمعة الغضب ... وكان .
والهدف واضح .. إظهار الانقسام خاصة بين مرتادى الفيسبوك حاضن الثورة المصرية الأول ، وثد ظهر ذلك جليا ، وكم من الأصدقاء قد عملوا لبعضهم block بعد أن استعرّ الخلاف بينهم ، أعرف أناسا من أصدقائى ألغوا صداقتهم الفيسبوكية مع العشرات من أصدقائهم الذين وضعوا صورة الرئيس مبارك على بروفايلاتهم تمجيدا له على الخطاب الذى يرونه رائعا ! .
كان المخطط بسيطا ولكنه قاتل ، إجهاض الثورة التى اندلعت شرارتها الأولى فيسبوكيا بالفيسبوك ... وداوها بالتى كانت هي الداء .
لكن شاء الله أن ينقلب السحر على الساحر ، وأن يفجع الجميع بأحداث الأربعاء الدامي فى التحرير ، واشتغل مؤيدو الثورة عودة النت لإذكاء روح الثورة من جديد ، وامتلأ الفيسبوك وغيره بمشاهد وفيديوهات للثورة والقمع الأمنى للمتظاهرين ، كما امتلأ بالسخرية من الإعلام الحكومي الذى استعان بأحقر الأساليب لإفساد الثورة وتسميم الأجواء ، وعلى رأسها المنافقين والحاقدين وأذناب الحزب الوطني اللعين و .... تامر بتاع غمرة ! .. و الممثلين والمطربين ولاعبى الكرة التافهين ، وإشاعات عن وجبات كنتاكى توزع على لمعتصمين فى التحرير ( مع إن كنتاكي كان مغلقا طوال الثورة !! ) ومرتبات باليورو مقابل الثورة .....الخ هذا الهراء السمج ..... أووووووه .... كدت أن أنسى الأجندات ! ..... تلك التى جمعت شعوب الأرض كلها ضد الرئيس مبارك ونظامه .. تبا لكذب وغباء الإعلام الحكومي ! .
ثامنا : الجبهة الإعلامية للثورة المصرية (( قناة الجزيرة من قطر )) ! :
بالطبع هي أفضل قناة عربية إخبارية تقنيا وتحريريا و أكثرها مشاهدة ، وأنا شخصيا أحبها وأتابعها باستمرار ، إلا أن هناك ألغازا عديدة بخصوصها تؤرقنى .. ماسر هذا الانحياز الواضح والصريح لشعب مصر ضد النظام ؟؟ .. هل فعلا هناك ( أجندات ) سرية وراء هذا و تصفية حسابات بين النظام القطري والمصري ؟ ،
أم أنه رهان ذكي من قناة الجزيرة على الشعوب وانحياز للطرف الذى تراه منتصرا فى النهاية ؟، خصوصا أنه الطرف الذى يشاهد ويدفع الاشتراكات ! ... أيا كان .. لا يعنينى ، المهم أننى استفدت كثيرا من الجزيرة قبل الثورة ، وأثناءها .
لقد كانت الجزيرة عين رئيسية على ما يحدث فى مصر ، ورغم المضايقات وإغلاق مكتبها ، والسب والقذف الذى تعرضت له من الإعلام الحكومي ، إلا أنها نجحت فى جعل المشاهدين يتسمرون أمام شاشتها يتسمـَّــعون الأخبار ، خاصة وقد حولت الجزيرة كل مصري يملك كاميرا وهاتفا إلى مراسل لها ! ، فكانت صاحبة السبق فى التغطية .
وقد ظهر انحياز الجزيرة واضحا منذ البداية ، فقد جعلت الفاصل قبل أخبار مصر بعنوان : مصر تتحدث عن نفسها .. ثم غيرته إلى : مصر ، الشعب يريد .... ، وفتحت المجال لشباب الثورة ورجالها وللمعارضين المصريين بمختلف الأطياف للإدلاء بدلوهم حول الأحداث فى كل محافظات مصر ، كما أصرّت الجزيرة على تكرار عرض أخطر فيديو فى الثورة ، وهو فيديو معركة كوبرى قصر النيل فى القاهرة يوم جمعة الغضب ، عندما اشتبك الآلاف من جنود الأمن المركزي مع عشرات الآلاف من المتظاهرين ، وحاولت مدرعات الأمن المركزي دهس المتظاهرين وتخويفهم ، كما أمطروهم بسيول القنابل المسيلة للدموع ، ورشوا المصلين على الكوبرى بخراطيم المياه أثناء الصلاة فى مشهد دراماتيكي مؤلم ومستفز لأقصى درجة .
وكذلك تطوعت الجزيرة مشكورة بإذاعة مواعيد التظاهرات المليونية الكبرى وإطلاق التسميات على بعضها عند اللزوم ! .
كما صاغ تقنيو الجزيرة بعض الفواصل التى تظهر الانحياز الكامل لثورة شعب مصر ، وظهرت قمة الانحياز بالتقرير الذى أذاعته الجزيرة بعد تنحي الرئيس ... التقرير الذى يبدأ بالآية الكريمة : ( فاليوم نـُـنـَـجـِّــيكَ ببدنـِــكَ لتكونَ لمن خلفـَـــكَ آية ) ! .
الجيش والشعب والجزيرة .. ايد واحدة .
تاسعا : فى التحرير ..... النوم سلطان ! :
لم أشأ أن تمر هذه الثورة دون أن أزور التحرير .. ذاك العالم اللذيذ الرائع الذى تنقله لنا الفضائيات كل حين ، وشاء الله بعد صراع يومين فى النقاش مع أهلي أن أذهب أنا و 30 من أصدقائى إلى التحرير يوم الخميس 10 فبراير 2011 ، وذلك لنشارك فى مظاهرة كبرى لأطباء مصر من أمام بوابة القصر العيني بإتجاه التحرير ، تأييدا للثورة ، وكانت التظاهرة رائعة جدا ، فمشهد الآلاف بالبالطو الأبيض وهم يتظاهرون قد شد انتباه الجميع وأشعل حماسته .. وقد شاهدت بنفسى أحد المارة وهو يصيح بانفعال : ( والله الدكاترة خلصوها .. الراجل ده هيمشى ! ) ، ودخلنا التحرير وانتابنى شعور عظيم وأنا فى البقعة التى أذهلت العالم وأجبرت كاميرات الدنيا كلها على ألا تنشغل بسواها ، وقمت بجولة سريعة فى المكان ، وضحكت بشدة على اللافتات الكوميدية الرهيبة التى يكتظ بها المكان والتى تدل على روعة وعظمة وغرابة الإبداع المصري .. ولكن نظرا لأننى لم أنم فى تلك الليلة ، وبعد آداء صلاتى الظهر والعصر قصرا وجمعا على أرض التحرير ، فإننى هرعت إلى الخيمة البلاستيكية التى أذن لنا صاحبها باستخدامها و فرشت بطانية تخص صديقى ... و ... zzzzzzzzzzzzzzzzzzzzzzzz .
نمت ساعتين على أرض التحرير ! ، واستيقظت فى الساعة الرابعة عصرا وقررت وكثير من زملائى أن نعود إلى طنطا ، لأن جميعنا جاء بغير رضى من أهله ولا يريد مزيدا من المشاكل معهم ، وبمجرد أن ركبنا المترو ، اتصل بنا من بقى فى التحرير من أصدقائنا ليخبرونا أن قائدا فى الجيش بشـَّـرهم أن أنباء رائعة قادمة فى الطريق ، وسرت شائعات قوية أن مبارك سيتنحى ، فانتعشت الآمال ، وعدت إلى طنطا سعيدا ، وجلست بانتظار خطاب الرئيس ، الذى أفجعنى وسبب لى غضبا لم أعرف له مثيلا ، لم يطفئه إلا يقينى أنه قد انتهى سياسيا عندما اجتمع المجلس الأعلى للجيش بدونه فى وقت سابق للخطاب ، وانتظرت بأحر من الجمر جمعة الحسم أو الزحف ...الخ ، سمها ما شئت ، المهم أنها كانت القاضية ! .
عاش ميدان التحرير !
عاشرا : حسنى بره ..... ومصر حره ..... لله الحمد من قبل ومن بعد :
كنت أصلى المغرب فى المسجد عندما فوجئت بصياح مدوٍّ يشبه الذى كنت أسمعه عندما يحرز أحد اللاعبين هدفا فى المباريات المهمة ! ، وبدأت الأخبار تصل إلى مسامعنا داخل المسجد أن عمر سليمان أعلن تنحي الرئيس مبارك رسميا وأن السلطة بيد الجيش ! .
بذلت أقصى جهدى لأتمالك نفسى لأتمكن من مواصلة الصلاة ، وبمجرد تسليم الإمام اندفعت إلى البيت ومعى أحد أصدقائى لنتأكد من الخبر .. وبالفعل .. أحلى خبر قرأته على الشاشة فى حياتى .. لك الحمد يارب أن منحتنى فضل مشاهدة هذه اللحظة العظيمة فى تاريخ مصر والأمة العربية و الإسلامية ، والتى تحررت فيه أم الدنيا من بطش النظام الفاسد المفسد الذى دمـَّـــرها من كافة النواحي .
لقد ظهرت عناية الله جليـَّــةً فى هذه الثورة ، وقدَّر الله أن ترتد كل محاولات النظام لإفشالها فى نحره .
فواجبنا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على هذا النصر المبين للثورة وذلك بوسائل عديدة منها :
1- أن ندعو الله فى كل سجود أن يوفقنا لما فيه الخير ، وأن يرزقنا فى الدنيا حسنة ، وفى الآخرة حسنة ، وأن يقـينا عذاب النار ، وأن نقرن هذا الدعاء بالعمل المخلص الذى يرضيه .
2- أن نبذل قصارى جهودنا لحماية الثورة من سيناريوهات الثورة المضادة ، وأن نظل متيقظين دوما لمحاولة الالتفاف على مطالبنا .
3- ثورة على النفس بمعنى الكلمة ، باكتساب كل ما هو مفيد من الصفات والأخلاق ، والتخلص من كل الصفات السيئة مثل السلبية والتخاذل والهوان والضعف والتراخى و ... و ..... . والله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم .
4- التركيز على الحلول الابتكارية لمشاكل مصر ، فالميراث الضخم من الفساد والتأخر الذى تركه النظام القديم يحتاج إلى الكثير من الجهود المخلصة الإبداعية للتخلص منه ، وللنهوض بمصرنا الحبيبة .
5- تنمية ثقافاتنا الشخصية ووعينا السياسي ، والمساهمة فى توعية غيرنا ، وذلك لنستفيد من الحراك السياسي القادم بإذن الله أقصى استفادة لصالح مصر .
وعذرا للإطالة ...... والآن اتركوني لأستمع إلى رائعة : ( مصر تتحدث عن نفسها ) لأم كلثوم .... فهذا وقتها ! .
بعض صور المظاهرات من طنطا :
| سور فيلا المحافظ |
| أمام المحافظة |
| أمام المحافظة |
| شارع البحر |
مسيرة الأطباء من أمام القصر العيني لميدان التحرير :
















